أفاد باحثون بقيادة مركز هيلمهولتز ميونخ أن بعض البكتيريا التي تعيش في الأمعاء — بما في ذلك سلالات لا تُعتبر عادةً ضارة — تمتلك آليات جزيئية تشبه المحقنة يمكنها إيصال بروتينات بكتيرية إلى داخل الخلايا البشرية، مما يؤثر على إشارات الجهاز المناعي والتمثيل الغذائي. كما تربط الدراسة بين جينات هذه "المؤثرات" البكتيرية وأنماط الميكروبيوم المرتبطة بداء كرون، على الرغم من تأكيد المؤلفين على الحاجة إلى مزيد من الدراسات لتحديد كيفية تأثير هذه الآلية على المرض.
حدد علماء في مركز هيلمهولتز ميونخ، بالتعاون مع شركاء من بينهم جامعة لودفيغ ماكسيميليان في ميونخ (LMU)، وجامعة إيكس مارسيليا، والمعهد الوطني للصحة والبحوث الطبية في فرنسا (Inserm)، آلية يمكن من خلالها لبعض بكتيريا الأمعاء إيصال البروتينات مباشرة إلى الخلايا البشرية.
وفي دراسة نُشرت في دورية Nature Microbiology (عام 2026، المجلد 11، العدد 2، الصفحة 442)، أفاد الفريق أن العديد من سلالات البكتيريا المتعايشة أو غير الممرضة المرتبطة بالأمعاء تحمل أنظمة إفراز من النوع الثالث، وهي هياكل مجهرية تشبه المحقنة تشتهر بحقن بروتينات "مؤثرة" في الخلايا المضيفة. ويقول المؤلفون إن هذا يتحدى الاعتقاد الراسخ بأن هذه الأنظمة تقتصر إلى حد كبير على مسببات الأمراض الكلاسيكية مثل السالمونيلا.
كان هدفنا هو توصيف بعض العمليات الأساسية لكيفية تأثير بكتيريا الأمعاء على البيولوجيا البشرية بشكل أفضل.
قالت فيرونيكا يونغ، المؤلفة الأولى للدراسة إلى جانب بشرى ضحي، إن الباحثين سعوا إلى تجاوز الارتباطات العامة بين الميكروبيوم والمرض من خلال رسم خرائط منهجية للاتصالات الجزيئية المباشرة بين البروتينات البكتيرية والبروتينات البشرية.
ولاستكشاف وظيفة هذه البروتينات المحقونة، رسم الباحثون خرائط لأكثر من 1000 تفاعل بروتين-بروتين بين البروتينات البكتيرية المؤثرة والبروتينات البشرية. وتشير التجارب اللاحقة التي أبلغ عنها الفريق إلى أن البروتينات البكتيرية يمكن أن تؤثر على إشارات الجهاز المناعي والتمثيل الغذائي، بما في ذلك إشارات NF-κB واستجابات السيتوكين، وهي مسارات محورية في تنظيم الالتهاب.
هذا يغير نظرتنا للبكتيريا المتعايشة بشكل جذري. فهو يظهر أن هذه البكتيريا غير الممرضة ليست مجرد مقيم سلبي، بل يمكنها التلاعب بالخلايا البشرية بنشاط عن طريق حقن بروتيناتها في خلايانا.
جاء هذا التقييم من البروفيسور باسكال فالتر-براون، مدير معهد بيولوجيا الشبكات في مركز هيلمهولتز ميونخ والمؤلف المقابل للدراسة.
كما أفاد الباحثون أن الجينات التي تشفر هذه البروتينات المؤثرة أكثر شيوعاً في ميكروبيوم أمعاء الأشخاص المصابين بداء كرون. ويشيرون إلى أن انتقال البروتين المباشر من البكتيريا إلى الخلايا البشرية قد يساهم في الالتهاب المعوي طويل الأمد، مع التأكيد على الحاجة إلى عمل مستقبلي لاختبار السببية وتحديد متى وأين يتم تنشيط أنظمة الإفراز هذه في الجسم.
وذكر الفريق أن الدراسات المستقبلية ستبحث في كيفية عمل بروتينات مؤثرة بكتيرية محددة في أنسجة وسياقات مرضية مختلفة، وهو عمل قد يمهد الطريق في نهاية المطاف لنهج أكثر استهدافاً للوقاية أو العلاج.